العقاب بالتحريق – لا يعدل جنون البشر إلا نفاقهم

إذا أصبح كل طبالي الإعلام المأجور فقهاء (ابراهيم عيسى).
وإذا أمسى كل مثقفي الأقليات المتربصة بهذه الأمة دعاة تسامح (جورج طرابيشي).
وإذا بات كل سفاحي الأنظمة الانقلابية مدافعين عن حقوق الإنسان (بشار والسيسي).
إذا أصبح المناخ هذا مزاجه فأعلم أنك أمام ملهاة يخرجها رئيس المستكبرين ووكلائه من الصهاينة والطائفيين وعملائهم في المليشيات المسلحة بالكلاشنكوف والكاريكاتور الإعلامي.
واعلم كذلك أن هذه الجوقة ما تزال متصورة أن المسلمين ينبغي أن يبقوا دائما في وضع من يرد الفعل ويعتذر من كل فعل يقوم به أحدهم لأنه مباشرة يرمى عليهم جميعا ويبحث له عن أصل في مورّثهم العضوي أو في تراثهم الحضاري.

لا أحد يريد أن يفهم الظاهرات التي يُنسب بعضها إلى البعض منهم فتُلصق بهم جميعا وتُرد إلى عقائدهم وتاريخهم وكبار مفكريهم لتشويههم بما لو تمت مقارنته بما هو من جنسه عند غيرهم لكانوا أقل الناس قابلية لهذا النكير غير البريء.
فلنحاول إذن تجاوز كل هذا التحامل ولنبحث في الظاهرة نفسها وفي عللها من منطلق هذا المبدأ : إذا كان ما يحدث يفسر بشيء يختص به العرب والمسلمون فلم نجد عند غيرهم ما هو من جنسه وأسوأ منه كما وكيفا؟ هل معنى ذلك أن اليهودية والمسيحية والبوذية و الشيوعية والعلمانية و الليبرالية كلها ربيت على القرآن واستأنست بفكر الصديق وتعملت لدى ابن تيمية؟

البحث في الظاهرة

لا يعنيني إذا تصور البعض أن في كلامي هذا ما يُؤول على أنه تبرير لما يجري. فهذا السخف في اتهام من يريد أن يفهم بأنه يبرر لم يعد يردع إلا المهزومين حضاريا والذين يقبلون بأن يكونوا دائما في وضع المتهم الذي عليه أن يبين براءته بعكس مفهوم العدل عقلا ونقلا.
فالمسلمون عامة وسنتهم خاصة يحاول أعداؤهم أن يفرضوا عليهم وضعا يحول دونهم والكلام في الأمراض التي تعاني منها البشرية كلها – وهم منها ومن ثم فلهم فيها نصيب كغيرهم-. ليس المسلمون وحدهم هم من يمكن أن يعرض لهم بعض أعراض هذه الأمراض.

يراد لهم أن يكونوا دائما مقصورا كلامهم على رد الفعل والاعتذار. يراد لهم ألا يتحرروا من موقف الدفاع عن أنفسهم لكأن ما يقوم به البعض منهم صفة وراثية أو حضارية يتفردون بها في حين أن ما يبدر منهم لا يتفوق على ما يبدر من متهميهم بل هو دونه كما وكيفا. وبذلك فلا يمكن للباحث العربي أن يتجرأ فيدرس الظاهرة ويبين أن الأمراض التي تقدم على أنها خاصة بالمسلمين ليس لهم منها إلا أدنى درجاتها ربما بسبب تخلفهم التقني : إنها جرائم حرب لا تخلو منها حرب وهي متناسبة مع التقدم التقني لمرتكبيها لأن البشاعة هي عينها.

ولعل أفضل مثال يبين مهزلة هذه الدعاوى التي تركز على اتهام المسلمين هو مثال بريجيب باردوا التي تدعي الرأفة بالحيوان فتهاجم الذبح وتفضل الصعق الكهربائي أو مثال بنت لوبان التي قامت بحملة ضد “الحلال” لأنها تفضل الحرام. أو حتى النباتي الذي لا يريد أكل اللحم رفقا بالحيوانات ويتصور أن النبات ليس جديرا بالرفق : المشكل كله لو كان هؤلاء صادقين هو الحرب وما يصحبها من جرائم سواء كانت على البشر أو على الكائنات الحية الأخرى وخاصة على الطبيعة. فكل الحضارة التقنية المحكومة بمنطق الرأس مالية و الربا حرب على الطبيعة لو كانوا يعلمون.

فإذا أضفنا أن هذه الحرب هي كذلك حرب على البشر وعلى الحضارات الأخرى وليست مقصورة على البيئة تبين أن هذه الحرب النفسية التي تُشن على المسلمين والتي يُتهم بعض مجرمي الحرب منهم بأنهم كذلك لأنهم مسلمون وليس لأنهم مجرموا حرب مثلهم مثل غيرهم في جوانتنامو (قصة التقرير حول التعذيب ) أو في أبو غريب أو في ما حدث في أفغانستان من حرق الجثث والبول على بعضها.

فالتركيز على هذه الأفعال البدائية التي لا تختلف بالنوع عن مثيلاتها عند من يُزعمون متحضرين وتعميم التهم ونسبتها إلى خاصيات إما عرقية أو حضارية خاصة بالعرب والمسلمين دليل على رفض الفهم الساعي إلى العلاج وعلى السعي للتشويه الذي يوظف في حرب نفسية على المستضعفين.

فهذا التركيز لا يبحث في طبيعة جرائم الحرب بصورة عامة بل هو يقتصر على أدناها عند أقل الناس قدرة عليها. لذلك فكل ما تسمعه من تعليق لا صلة له بالقضية المطروحة بل هو مجرد سلاح في حرب نفسية معلومة الدوافع خاصة إذا علمنا من هم أبواقها : مثل ما نسمعه من إعلام بشار والسيسي وبعض الحكام المتسولين الذين يتعنترون على شعوبهم رغم أن اللعبة كلها ربما هدفها تبرير إقحام بعض الجيوش العربية في دور المرتزق في حرب إسرائيل وإيران وأمريكا وعملائهم ضد ثورة العرب و المسلمين.

فهذه الحرب النفسية والعسكرية مسلطة على شعوب احتلت أرضها واستبيح عرضها منذ أكثر من قرنين وأخضعت لكل أصناف التنكيل التي يعد ما يندد به من سلوكاتهم بالقياس إليه لعب أطفال وثأرا ساذجا : فمن سجن في سجون الاحتلال الأمريكي للعراق أو في سجون الطائفية التي ولاها الاحتلال عليه من بعده لا ندري ما الذي يجري في سره ليكون تصرفه ما يعاب عليه اليوم من جرائم حرب تواصل نفس الجرائم التي عاشها وهو أسير.

لذلك فلن أقبل بهذا الوضع الذي يحشر فيه كل من يريد أن يفهم ما يجري فيجبر على اللجوء إلى الموقف الدفاعي ولا يمر إلى دراسة الظاهرات التي تضخم هنا وتلطف هناك لغاية في نفس يعقوب. وبذلك يتبين أن نفاق البشر أشد وطأة من جنونهم : يقومون بأشنع الجرائم المتناسبة مع تقدمهم التقني دوليا – حروب إسرائيل (غزة مثلا) والغرب- ومحليا – جرائم الأنظمة ضد الشعوب – ويدمنون على بيان بشاعة ما يشبه ما يستطيعه سلاح الهنود الحمر بالقياس إلى ما تستطيعه أسلحتهم. ومع ذلك يجدون من الأخصياء من يريد أن يبرر إنسانيته مثل حكام سوريا ومصر ومليشيات إيران العربية والنخب التابعة لهم.

وما أن تحاول تجاوز هذه الوضعية التي فرضتها الحرب النفسية على الشعوب المقاومة للاحتلال والاستعمار والاستبداد والفساد حتى تعترضك الأبواق التي تتهمك بالدفاع عن داعش – رغم أنك أول المنكرين عليها دورها في إفساد الثورة وتلطيخها بما يحول دونها وتحقيق أهدافها بدليلين :
1-نشرها لأفاعيلها نشرا لا يمكن أن يكون قصده الردع بل التشويه
2-ومحاربتها المقاومة السورية الأصيلة أكثر مما حاربت النظام المجرم ومسانديه من مليشيات إيران العربية.

وهذه الأبواق تقبل التصنيف إلى خمس جوقات تجعلك تدرك أن جنون البشر لا يعدله إلا نفاقهم وتزييفهم للحقائق:

1-فهذه الحرب النفسية التشويهية تصدر عن صحافة العدو ونخبه التي حاولنا فهم منطق استعمالها في الحرب النفسية من خلال تحليل ظاهرة بيجيدا Pegida الجامعة بين ذكريات التاريخ الوسيط وعنصرية الإنسان الأبيض والحرب النفسية على من يراد سلبه ثرواته وحرياته.

2-وتصدر هذه الحرب عن النخب العربية التابعة بصحفييهم ومفكريهم الذين يدعون الحداثة والتقدمية والعلمانية والليبرالية. وهي بإسهامها في هذه الحرب النفسية تحاول إثبات انتسابها إلى حضارة يبرئونها مما ينددون به في حين أن جرائمها لا تضاهيها جرائم في تاريخ البشرية كله. وهم مهما فعلوا للتنصل من الإسلام وحضارته التي يحمولونها مسؤولية هذا الجنون الذي يظن مقصورا عليها لن يعترف بهم الغرب إلا في حدود ما يؤدونه له من خدمات ثم يرميهم كما رمى من قبلهم كل العملاء الذين نعرف منهم الكثير بعد حرب الجزائر وحرب فياتنام.

3-وتصدر هذه الحرب النفسية كذلك عن الأنظمة التي ولاها الاستعمار على بلاد العرب والمسلمين فأذاقوا شعوبهم أكثر مما أذاقهم الاستعمار. ولعل أقرب الأمثلة إلى الأذهان أفاعيل سفاح دمشق وتحريق سفاح القاهرة وبغداد وليبيا : فهم لم يحرقوا طيارا واحدا قصف نساءهم وأطفالهم قصفا محرقا على بشاعة هذا الجرم بل حرقوا شعوبهم في مظاهرات سلمية تطالب بأدنى الحقوق.

4-ولعل ابرز تعين لهذه الحرب النفسية والعنصرية وأجلاه هو الطائفية التي كانت ولا تزال منذ بدايات تاريخ الإسلام مصدر كل إرهاب عرفته حضارتنا. وهي الآن تحاول تمكين إيران من مقاسمة إسرائيل وأمريكا مقاسمتهما السيطرة على الوطن العربي بأذرعها التي تمثلها مليشيات مادية كحزب الله الذي فرخ في جميع أقطار الوطن ومليشيات رمزية تمثلها النخب الأجيرة مثل أبواق الاعلام والنخب التابعة لها وكذلك المندسين منهم في المقاومة السنية لتشويهها.

5-أما العامل الجامع والمنسق بين كل هذه الأصناف فمنبعه وأصله الاستعمار الغربي عامة والأمريكي خاصة فعلا مباشرا بحضوره وفعلا غير مباشر بآثار سلوكه بعد غزو العراق. فهذا السلوك هو الشكل المطلق من الاستعمار الإبادي الذي بدأ بالهنود الحمر ويحاول أن يبيد كل من يرفض سلطانه : إبادة رمزية بالتشويه والحرب النفسية وإبادة عضوية بالدرون والقتل على الهوية.
وهو لا يفعل بالتحريق البدائي كداعش بل بما يدخره من آلاف القنابل النووية التي جرب بعضها فأتى على الزرع والضرع فضلا عن البيئة التي قضى عليها في فياتنام بالنابالم الأورانيوم المنضب كما في معركة مطار بغداد و الفلوجة .
لكنه لا يعتبر ذلك جرائم حرب بتحريق البشر. فلعله يعتبره مجرد شماريخ للتسلية ولنشر القيم الإنسانية كما رأينا ذلك في مناسبتين متعت اليابانيين بألطاف الإنسانية الأمريكية.

ما أردت بيانه في هذه المحاولة وراء دور الحرب النفسية ضد المقاومة الإسلامية والمواقف العنصرية من المسلمين وحضارتهم هو هذه الظاهرة المرضية التي تعاني منها الإنسانية عامة. فهذا الدور سبق أن وصفته الملائكة بكونه سفكا للدماء وإفسادا في الأرض. وهو لا يخص شعبا دون شعب أو حضارة دون حضارة بل هو جنون ملازم لكل الحروب. ومن ثم فالحل ليس تبرئة المجرمين الحقيقيين وجعلهم هم لسان الدعوى ة اتهام الآرخرين لكأنهم هم الأبرياء بل محاولة إنقاذ الإنسانية من دوافع الحروب ومن نتائجها وأهمها مثل هذه الجرائم: وبذلك فالقضية تصبح مفهومة إذا أرجعناها إلى طبيعتها الخلقية والقانونية بمستوييها الوطني والدولي. فهذه الطبيعة الواحدة مضاعفة المستوى إذ هي تنتسب إلى :
1-القانون الجنائي عامة : لأنها عينة منه في شكله البدائي : قانون السن بالسن والعين بالعين قانون “التاليون”.
2-وقانون الحرب خاصة : لأنها عينة من معاملة المحارب لعدوه عند أسره وهو من جنس القانون الأول وإن في الحرب.

ومن أكبر الأدلة على سخف متهمي ابن تيمية وعلى عبقريته في آن أنه الأول في التاريخ الإنساني الذي فهم قيم القرآن الخاصة بهذه القضية وأول من أرجعها إلى هذين الوجهين من القانون الجنائي عامة والخاص بالحروب خاصة. وهو لم يغفل الإشارة إلى ضرورة تقديم ما يأمر به القرآن الكريم من الصفح والصبر بدل الانتقام والثأر عملا بما جاء في سورة الشورى بخصوص قوانين القصاص في نفس الجماعة أو الحرب بين الجماعات من الآية 39 إلى الآية 43 الآيات التي وضعت المبادئ الخلقية والقانونية للعلاقات البشرية بخصوص هذه المستويين من القانون.

وبهذا المعنى فما يعاب على داعش – على ما فيه من جرم ومن بدائية خاصة- لا يكون ذا معنى إلا باعتباره: جريمة حرب. وهو جرم ينبغي أن يعاب بصفة كلية لا تستثني أحدا : كل مجرمي الحرب لا يسأل عنها إلا مقترفها وقياداته لا دينه و لا حضارته و لا علماؤه. أما إذا لم يطبق هذا المبدأ في تحديد المسؤولية على جرائم الحرب فحملت الحضارة و الدين و العلماء مسؤوليتها فليعمم ذلك. وعندئذ ستصبح كل الحضارات والأديان والعلماء مجرمة و سيتبين أن الحضارة العلمانية أكثر الحضارات إجراما: فعنها ضدرت كل حروب الإستعمار و جرائم النازية و الفاشية و الشيوعية وما تعانيه أمتنا اليوم من حرب نفسية ومادية لم تتوقف منذ أن ظنت أمريكا أنها قضت على القطب الاشتراكي وعليها أن تستفرد بالعالم فتزيل العائق الوحيد المتبقي لاستبدادها به: المسلمون الذين يقاومون والذين يمكن بأخذ ما لديهم خنق بقية العالم وجعله يركع أمام إمبراطوريتها التي تمثل الآن امبراطورية الشر حقا: فهي مصدر الإرهاب كله وهي تجسيد لحكم الملائكة سفكا للدماء وإفسادا في الأرض

و كم نتمنى أن يصبح ما يجري لدينا منا أو علينا بداية لعلاج هذه الأدواء بصورة كلية بدلا من تحويلها إلى أداة حرب نفسية تشويهية لحضارة هي أقل الحضارات إجراما في حروبها لأنها لم تفني شعوبا و لا حضارات و لا لغات بل هي قد حمت من يعتدون عليها اليوم في أرضها لما لجؤوا إليها هروبا ممن يستعملونهم الآن للفتك بشعب فلسطين: و الذين يتكلمون على الإرهاب هم حماته بما لهم من سلطان في الأمم المتحدة بدليل أنهم حالوا دون تدخل محكمة الجنايات الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب في غزة تحريقاو تمزيقا و تشويها للنساء و الأطفال و الشيوخ مع حصار أكثر إجراما من كل الجرائم دام عقدا كاملا بتأييد من النائحين على حقوق الإنسان.

فكل أسباب الحروب التي لا يريد الاستعمار علاجها بعدل هي الجرائم الحقيقية التي ينبغي التصدي لها حتى لا توجود دواعش مادية ورمزية. ز مثال فلسطين الذي لم يطبق فيه أي نص من نصوص القانون الدولي أكبر دليل على أن الإجرام عامة و جرائم الحرب خاصة ليست موضع اهتمام إلا كتهم توجه للغير و ليس كأمراض تعاني منها الإنسانية ينبغي علاجها خلقيا و قانويا بصورة ترجع إلى الإنسانية أخوتها التي هي أولى القيم التي نجدها في الآية الأولى من سورة النساء.

ذلك أنه عند المقارنة ودون اعتبار لهذا الطابع الكلي يصبح ما ينبغي أن يعاب على داعش ليس طبيعة السلوك بل كونه يحدث بأضعف الوسائل البدائية في الحالة التي يبشعونها الحرق بالبترول) وبأقواهما في الحالة التي يلطفون منها (الحرق بالنابالم والكيميائي). ومعنى ذلك أن الأمر لايتعلق بعلاج مرض وبيان علله بل بمجرد مقارنة بين تقدم الأدوات وتخلفها : أفعال داعش متخلفة وأفعال غيرها متقدمة أما كونها تشترك في الإجرام فهذا ليس موضوع البحث عند منافقي الإعلام والسياسة.


العقاب بالتحريق – لا يعدل جنون البشر إلا نفاقهم

أبو يعرب المرزوقي

نَسْبُ الـمُصنَّف، الترخيص بالمثل 4.0 دولي
نَسْبُ الـمُصنَّف، الترخيص بالمثل 4.0 دولي.
جميع مشتملات الموقع مرخص استخدامها كما هو منصوص عليه هنا، مالم يذكر العكس. ومن ثم فلمستخدمها مطلق الحرية في نشر المحتوى أو تعديله أو الإضافة عليه بشرط إعزائه إلى صاحبه ثم نشره بذات الرخصة.
بني بواسطة هيوغو
التصميم اسمه ستاك ونفذه جيمي